محمد عزة دروزة

43

التفسير الحديث

اختلفوا في ذلك سياق آيات سورة الشعراء ولكن بعضهم توسع في الشرح والتعليق حيث قال الذين حرفوا الضمير في * ( نَسْلُكُه ) * إلى الكفر والشرك والاستهزاء إن الجملة تعني أن اللَّه سبحانه أدخل الكفر والشرك والاستهزاء في قلوبهم وحسّنه لهم وأنها أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند . وأنكروا صرف الضمير إلى الذكر الذي قاله فريق آخر . وقالوا إن هذا هو قول المعتزلة ( 1 ) . والحق الذي تبادر لنا أن صرف الضمير إلى القرآن هو الأولى المتسق مع نظم الآيات ومقامها وإن في صرفه إلى الاستهزاء والكفر لورود صيغة ( يستهزئون ) تكلفا . وليس من شأن نسبته القول إلى المعتزلة أن نتحاشى تأييده . ونحن نتحاشى كل التحاشي من تعبير ( إن اللَّه قد حسن الكفر للكافرين وأدخله في قلوبهم ) لمجرد الرغبة في إثبات القدر من العبارات القرآنية ونرى فيه شيئا من البشاعة . وننزه اللَّه تعالى عنه وهو الذي يقول : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْكُمْ ولا يَرْضى لِعِبادِه الْكُفْرَ وإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَه لَكُمْ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ الزمر : [ 7 ] ويقول : هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْه كُفْرُه ولا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً ولا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً [ فاطر / 39 ] . وفي القرآن مئات من الآيات التي تحمل الكفر والإجرام لأصحابهما وترتب عليهم عقابا بسببهما وحتى لو سلمنا جدلا أن صرف الضمير إلى الكفر والاستهزاء فلا يكون في ذلك الإثبات والبرهان اللذان التمسوهما من العبارة . لأنها تصف الكفار بالمجرمين وتكون من باب ويُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ إبراهيم : [ 27 ] ووَ ما يُضِلُّ بِه إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة : [ 26 ] وكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يونس : [ 33 ] واللَّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) هذا ما قاله الخازن ، وقد صرف الطبري والبغوي وابن كثير الضمير إلى الكفر والاستهزاء أيضا . أما الذين صرفوا الضمير إلى القرآن فهم الزمخشري والطبرسي ممن اطلعنا على كتبهم .